نشرت لأول مرة في Open Global Rights بالإنجليزية، والإسبانية، والعربية في ٢١ يناير ٢٠٢١ 
كتبت : Libby McAvoy 
 
 

عندما يظهر مقطع فيديو به درجة صادمة من العنف وينتشر على نطاق واسع على الإنترنت، مثل مقاطع فيديو قوات الأمن في العراق وهي تطلق “عبوات غاز مسيل للدموع تصيب رؤوس” المتظاهرين، فإن المحققين مفتوحي المصدر يمشطون المقطع باستخدام تقنيات مثل بحوث السوشيال ميديا المعقدة والبحث عن الموقع الجغرافي للتأكد من صحة المزاعم. في أحيان كثيرة فإن مقاطع الفيديو والصور ومنشورات أخرى يفحصها المحققون، تكون ممثلة لتجارب صادمة من حياة من ينشر هذا المحتوى. فضلاً عن المذكور، فإن المحققين  الذين لديهم إلمام بالتحليل والسردية هم من يتعافون، وليس الناس الأقرب لمقطع الفيديو أو المادة المصورة، أو الواقعة الخاضعة للتحليل.

إن خالق المحتوى (مثال: الشاهد، الموثق، الناشط – باستثناء الجناة الذين يقومون بالتصوير أحياناً) ومحلل المحتوى (المحقق، المحامي، المسؤول عن الأرشفة فضلاً عن “مناصرون مستقلون” أحياناً) يتشاركون اعتقاداً قوياً بالإمكانات الهائلة للمستخدمين العاديين للتكنولوجيا، فيما يخص توثيق والتماس المحاسبة على الفظائع المتصلة بالإساءات والسلطة مطلقة اليد والعنف. هناك كمية هائلة من المعلومات تتوفر إذا توفرت سرعة إنترنت ثابتة ومعرفة بأين يمكن تحميل المحتوى أو العثور عليه.

لكن المحتوى الذي يعده المستخدمون وتحليله فيما بعد، كمعلومات مفتوحة المصدر أو استخبارات مفتوحة المصدر (OSINT) ينزع لأن يُعامل بصفته وجهين مختلفين لعملة واحدة. على جانب، فإن “المستخدمين” لأجهزة التوثيق والتسجيل مثل الهواتف الذكية ينتجون ويتشاركون محتوى يمثل أدلة، عادة ما يشمل أضرار خطيرة وانتهاكات بليغة للحقوق الأساسية. على الجانب الآخر فإن المحققين يتقصون ويصنفون ويكتبون عن هذا المحتوى. في حين يحدث تشارك من الحين للآخر في المعلومات وبناء شبكات عبر الجانبين (أو داخل المنظمات مثل WITNESS أو Mnemonic)، فهما ينظر إليهما كمرحلتين منفصلتين للعمل على نفس التوثيق. في “الشاهد الرقمي“، أوضح رحمن وإيفينز هذا التقسيم غير العادل: “المحققون المشهورون يتلقون التهاني على عملهم القيم والمفيد في التحقيق، في حين أن الناس الذين جعلوا هذه التحقيقات ممكنة لا يحصلون على الشكر، بل ربما لا يعرفون بأن مقطع فيديو أو صورة صوروها قد استخدمت من الأساس”. هذه العملية تُظهر المشكلة الأساسية في ممارسات التحقيقات مفتوحة المصدر: هي مقسمة بثنائية من صنعنا، تضعف وتتجاهل بل وحتى تلغي إمكانية التضامن عبر تقسيمة خالق المحتوى ومحلل المحتوى.

توسيع التحقيق وجعله مفتوح المصدر يجعله ممكناً تقنياً، ويمكن القول بأنه يصبح أسهل من ذي قبل، إذ يتم التحقيق بدقة وصرامة دون حاجة منهجية واضحة لوجود علاقات شخصية بين خالقي المحتوى ومحلليه، أو في ظروف أخرى بين الشهود ومتقصي الحقائق. هذه الممارسات الإزاحية التي لا تصب في صالح تمكين الأفراد يجب أن تُقاوم بقوة.

يجب ألا نتجاهل أو نستبعد منهجية التحقيق مفتوحة المصدر، لكن هناك ثغرات عدة فيها. نظراً للقيود الشديدة على الميزانية وأحمال العمل، ثم هناك قيود كوفيد-19 الحالية، فإن إمكانية تنفيذ منهجيات رقمية ستصبح مغرية أكثر لمنظمات حقوق الإنسان حول العالم. لكن يجب أن تقوم المنظمات بإدماج هذه المنهجيات الرقمية مع ممارسات متأنية قائمة على التضامن لتجنب مصادرة جهود البعض من أجل إحقاق العدالة ولتقليل شأن من هم أقرب للضرر الموثق. كما يذكرنا مينوج وماكومبي فيما يخص اليمن: “استخدام تقنيات OSINTلا يعني إخراج جهود تحقيق المحاسبة من أيدي اليمنيين وإزاحتها إلى المحققين الدوليين. هذا التحليل يُفضل أن يتم بإشراك وعلى يد أصحاب المعرفة المحلية”.

إن ممارسة التضامن في التحقيق مفتوح المصدر أساسية لسد الفجوة بين خالقي المحتوى ومحلليه. التضامن في حقوق الإنسان يعني التعاون الصادق والحقيقي والمتعمد والعابر للحدود بين المناصرين في الشمال العالمي ونظرائهم في الجنوب العالمي. يتطلب الأمر إطار عمل مشترك – أو إطار لـ “نحن” – بين الفاعلين لإعادة توزيع وتحسين توازن توزيع الأعباء والامتيازات “عبر خطوط الامتياز الكبيرة الفاصلة، والجغرافيا واللغة والثقافة والتعليم وخلافه”. الفاعلون في الشمال العالمي يوقعون أضراراً جسيمة عندما تخفق منهجيتهم في مراعاة اعتبارات العنصرية وديناميات القوة والسلوك الكولونيالي والبنى العالمية الأخرى للاضطهاد. تظهر مثل هذه السلوكيات والأضرار عندما يخفق محلل المحتوى في تحقيق توازن “نحن” أثناء ما يسمى باكتشاف ثم استخدام التوثيق المنشور على الإنترنت من قبل خالقي المحتوى.

لكن كيف يكون التضامن الحقيقي في تحقيقات المصدر المفتوح بحقوق الإنسان؟ على سبيل البداية، هناك خمس سمات مشتركة لممارسات التحقيق مفتوح المصدر تفاقم من الانقسام ويجب أن نرفضها.

أولاً، برمجيات الترجمة لا يمكن أن تحل محل الترجمة التأويلية، وهناك مخاطر معروفة للاعتماد على هذه الأدوات. اللغة العامية لا تظهر في كل الحالات في برمجيات الترجمة بشكل صحيح: فالكلمة المقابلة لـ “drone” في بعض المناطق بالعربية هي (زنانة)، وتعني الطنين، لكن تُترجم من العربية للإنجليزية إلى كلمة “dungeon” أو سرداب عبر ترجمة غوغل. هناك أيضاً أنساق معينة للتواصل ولغة ضمنية يجب مراعاتها: “لغة [العنف الجنسي بما يشمل الإتجار بالبشر لأغراض الجنس] تتغير بسرعة كبيرة جداً. قبل أسبوع، قد يكون التعبير هو “هات مفتاح” وفي الأسبوع التالي تكون “أمسكنا قهوة” (الاقتباس من مقال ينشر قريباً لأليكسا كوينغ وأوليك إيغان). دون التفسير والتأويل الإنساني، عبر مترجمة، فإن التحقيق مفتوح المصدر يعاني من قصور كبير. يجب أن ينتبه المحققون الخارجيون إلى الأدوات المشابهة التي تؤدي إلى نتائج غير مقصودة.

ثانياً، فإن السرديات العامة البصرية لا تمثل التجارب المعاشة المعقدة. مقاطع الفيديو القوية أو التي تنتشر سريعاً عبر مواقع التواصل عادة ما تبدو أدلة لها قوة إدانة كبيرة، لكن هذه السرديات السائدة لن تمثل الحقيقة كاملة أبداً. السردية البصرية مفتوحة المصدر وحدها – عادة ما تتكون من وقائع قوية بصرياً مثل الغارات الجوية أو مقاطع فيديو صورها الجناة لقتل خارج نطاق القضاء – لا يمكن أبداً أن توضح كامل طيف التجربة الإنسانية للضرر الحاصل أو البيئة العنيفة القائمة. على وجه التحديد، فإن التجارب التي لا تصور في العادة، مثل العنف الجنسي، تُستبعد إلى درجة كبيرة من جهود التحقيق مفتوح المصدر.

ثالثاً، اختيار اللغة والتعبيرات على المواقع والمنصات العامة مسألة مهمة. عندما يستخدم المحللون في التحقيقات مفتوحة المصدر صياغات وكلمات تنطوي على الإهمال أو المزاح في تعليقات حول التحقيقات على مواقع التواصل، فهذا يكشف بشكل مقلق عن عدم الاحترام لمستخدمين آخرين للمواقع يتم أخذ المحتوى منهم.

رابعاً، يجب تقديم الشكر والتنويه والتمويل بشكل يعكس العمل المهم في كل مرحلة من مراحل التحقيق مفتوح المصدر. في أعمال حقوق الإنسان، هناك اختلال توازن كبير في التمويل يعرفه الجميع. ثنائية وتقسيمة خالق المحتوى/محلل المحتوى في التحقيقات مفتوحة المصدر عادة ما تعيد إنتاج هذا الأمر عن طريق نموذج العمل الجاهز والخفي القائم من أعلى لأسفل. والنتيجة: يحصل محللو المحتوى على كل الشكر على النتائج ونتاجات العمل، وتصبح لديهم سلطة صناعة قرار غير متناسبة مقارنة بخالقي المحتوى الذين لا تربطهم صلة بالمنظمات، ويحصل المحللون على الغالبية العظمى من التمويل.

خامساً، يجب أن تكون الموافقة المستنيرة هي التوقع الأساسي الذي لا خلاف حوله، كما هو الحال بالنسبة لجميع أشكال العمل الحقوقي الأخرى. يجب ألا يفترض محللو المحتوى أن لهم حرية أخذ الشهادات المقدمة رقمياً والتوثيق الرقمي المتاح، وهي المادة التي تُسمى بشكل ملتبس باسم “المحتوى الذي يخلقه المستخدمون”، دون أن يسعوا أولاً للحصول على الموافقة المستنيرة من خالقي المحتوى. لكن من أجل مزيد من التضامن الحقيقي مع خالقي المحتوى، يجب على محللي المحتوى أن يمضوا خطوة أخرى، إلى التعاون النشط وتشارك المهارات مع خالقي المحتوى عند تحليل الأدلة، مع اجتماع الطرفين على هدف مشترك وواضح.

هذه ليست إلا بعض التوترات القائمة في الممارسات السائدة، والتي قد تستفيد كثيراً من تدخلات واضحة وملموسة من أجل التضامن الحقيقي. التحقيق مفتوح المصدر منهجية جديدة نسبياً ويمكن أن تؤدي إلى تغير منسق في بروتوكول العمل والممارسة الفعلية، وهو الأمر الأهم. إن التعاون يجب أن يكون الركن الأساسي للتحقيق مفتوح المصدر: فهذا التحقيق متاح وبيني للغاية، ولا يمكن تحققه إلا بإسهامات النشطاء والموثقين والصحفيين وعلماء البيانات ومهندسي البرمجيات والمحامين والموثقين للأرشيف (بين أطراف أخرى). هو مثال قوي على كيف يمكن للأدوات الرقمية أن “تفرض الديمقراطية على عملية تقصي الحقائق بمجال حقوق الإنسان“. لكن لتحقيق هذا الهدف، على الممارسين تعميم التضامن مع خالقي المحتوى من خلال تعميق روح التعاون هذه بشكل شفاف وقادر على إحداث تحول جذري.

Leave a Reply

Your email address will not be published.